يُعد هذا المؤلف القانوني إسهاماً فكرياً وأكاديمياً بالغ الأهمية في مجال التحكيم، حيث يتناول بالنقاش والتحليل قضية جوهرية وحيوية تتعلق بـ "النظرية العامة لصلاحية المحكم ومسئولياته" في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية، وذلك من خلال دراسة مقارنة تحليلية معمقة تجمع بين التحكيم الوطني والدولي. ولا شك أن هذا العمل يمثل تتويجاً لجهود علمية سابقة، حيث يشير المؤلف إلى أن الكتاب هو نتاج مجموعة من الأبحاث العلمية التي نُشرت في مجلات علمية محكمة، إلا أنه قام بإعادة صياغتها وتنقيحها وإثرائها بإضافات جوهرية لم يكن من الممكن تضمينها في تلك الأبحاث المنشورة سابقاً نظراً لطبيعة الضوابط الصارمة التي تفرضها المجلات العلمية المحكمة على حجم ونوعية المحتوى.
وينطلق المؤلف في هذا العمل من رصد دقيق وموضوعي للأزمة التي يعيشها التحكيم في الوقت الراهن، والتي تتمثل في أزمة سمعة حقيقية، واتساع نطاق ظاهرة التشكيك في نزاهة وفعالية العملية التحكيمية، فضلاً عن هشاشة الإجماع الذي يقوم عليه التحكيم الوطني والدولي، مما يهدد الثقة في هذه المؤسسة القانونية الحيوية. ومن هذا المنطلق، يسعى المؤلف إلى تقديم محاولة جادة ورصينة لوضع نظرية عامة متكاملة تحدد بدقة صلاحية المحكم القانونية والأخلاقية، فضلاً عن مسئوليته المدنية والجنائية والتأديبية، وذلك بهدف سد الفراغ التشريعي ومواجهة التحديات العملية التي تواجه التحكيم.
وتكمن القيمة العلمية الكبرى لهذا الكتاب في كونه لا يقتصر على الجانب النظري فحسب، بل يمتد إلى الجانب التطبيقي والعملي، حيث يهدف المؤلف إلى المساهمة الفعالة في دفع المشرع نحو إصدار تشريعات قانونية تضبط إشكاليات التحكيم المتشابكة، وتحدد بشكل واضح ودقيق شروط تولي مهمة التحكيم، وتضع الجزاءات المناسبة والرادعة لكل من يخرج عن السلوك القويم والضوابط الأخلاقية والمهنية. إن هذه الرؤية الإصلاحية تهدف في النهاية إلى إعادة الثقة للتحكيم كمؤسسة قادرة على فض المنازعات باستقلالية تامة وحياد ونزاهة، مما يعزز من مكانة التحكيم كوسيلة فعالة وموثوقة لتسوية النزاعات على المستويين الوطني والدولي.